سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

251

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

. . . وبعد أن سكت جمال الدين برهة قال : من العجيب الغريب وما يدعو إلى الحيرة ما نراه في المسلمين ، فهم بحكم شريعتهم ونصوصها الصريحة مطالبون عند اللَّه بالمحافظة على ما يدخل في ملكهم وولايتهم من البلدان ، وكلهم مأمور بذلك لا فرق بين قريبهم وبعيدهم ولا بين المتحدين في الجنس ولا المختلفين فيه . وهو فرض عين على كل واحد منهم إن لم يقم قوم بالحماية عن حوزتهم كان على الجميع أعظم الآثام ومن فروضهم في سبيل الحماية وحفظ الولاية بذل الأرواح والأموال وركوب كل صعب واقتحام كل خطب ولا يباح لهم المسالة مع من يغالبهم في حال من الأحوال حتى ينالوا الولاية خاصة لهم دون غيرهم وبالغت الشريعة في طلب السيادة منهم على من يخالفهم إلى حد ، لو عجز المسلم عن التملص من سلطة غيره لوجبت عليه الهجرة من دار حربه يحس كل مسلم لهاتف يهتف من بين جنبيه ، يذكّره بما تطالبه به الشريعة وما يفرض عليه الإيمان ، وهو هاتف الحق الذي بقي له من إلهامات دينه . ومع كل هذا نرى أهل هذا الدين في هذه الأيام بعضهم في غفلة عما يلم بالبعض الآخر ولا يألمون لما يألم له بعضهم ، فأهل بلوجستان كانوا يرون حركات الإنجليز ، وعيثهم في أفغانستان ينظرون إلى ذلك ولا يجيش لهم جأش ؟ ولا تبدو لهم نعرة على إخوانهم . والأفغانيون كانوا يشهدون تداخل الإنجليز في بلاد فارس ولا يضجرون ولا يتململون وكلاهما يعلمان ما في بلاد الهند من ظلم وجور وفتك وسلب ولا يتحركون ، وإن جنود الإنجليز تضرب في الأراضي المصرية ذهابا وإيابا تقتل ، وتفتك ولا ترى نجدة في نفوس إخوانهم المشرفين على مجاري تلك الدماء والناظرين إلى تلك المصائب والبلاء . نعم هذا ما يجرى من الأمور وساء معه المصير ، وإن النفس لتتوق لمعرفة الأسباب وإن كان الإتيان على ذكرها مما يطول فلا بأس من الإلمام بها على وجه الإجمال ! قال : لا ريب أن الأفكار العقلية والعقائد الدينية وسائر المعلومات والمدركات والوجدانات النفسية وإن كانت هي الباعثة على الأعمال وعن حكمها تصدر ولكن « الأعمال » هي التي تثبتها وتقويها وتطبعها في الأنفس وتطبع الأنفس عليها حتى